محمد محمد أبو ليلة
156
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
( أي عثمان ) من تفاقم الأمر في ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم . وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر . فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت ، فاقتصر على قراءة واحدة هي قراءة العرضة الأخيرة للقرآن ؛ ثم إن القراءات الأخرى لم تكن واجبة ولا ملزمة وإنما نزلت للتيسير « 1 » . كان جمع عثمان إذا بغرض جمع الناس على قراءة واحدة حسما لمادة الخلاف بينهم . وفي النص الذي سقناه أن الناس كانوا قد اختلفوا في القراءة لا في القرآن ، لأنهم كانوا يقرءون بالحروف المتعددة ، وهي مما نزل به جبريل أيضا لتيسير حفظ القرآن في أول الأمر ، وكان قصد عثمان هو جمع الناس على القراءة الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العرضة الأخيرة وجمعهم على مصحف واحد ، لا تقديم فيه ولا تأخير ، ولا منسوخ تلاوته مع مثبت ، ولا تأويل ولا تفسير ، وذلك لأن بعض من كانوا يكتبون القرآن كانوا يثبتون أيضا تفسير الآية بهامش صحفهم أو مصاحفهم ، وذلك خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعدهم . ويزيدنا المحاسبي بيانا في هذا الموضوع فيقول إنه لما خشي عثمان الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات ؛ حمل الناس على قراءة واحدة بمعرفة من شهد التنزيل من المهاجرين والأنصار ؛ فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف ( أي مصاحف بعض الصحابة التي كتبوها لأنفسهم ) مكتوبة بوجوه من القراءات المعلقات على الحروف السبعة التي نزل بها القرآن . وقد قال على : " لو وليت لعملت بالمصاحف عمل عثمان بها " « 2 » وهو القائل أيضا : " أعظم الناس في المصاحف أجرا " أبو بكر ، رحمة اللّه على أبى بكر ، أول من جمع كتاب اللّه « 3 » . وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال : قال على : " لا تقولوا في عثمان إلا خيرا . فو اللّه ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا ، قال ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم
--> ( 1 ) ابن جرير الطبري - جامع البيان في تفسير القرآن ( بيروت - دار المعرفة 1392 ه - 1972 م ) ج 1 والسيوطي الإتقان 1 / 140 ، 142 . ( 2 ) المصدر نفسه 171 - 172 . ( 3 ) البخاري . خلق أفعال العباد ضمن عقائد السلف ص 178 . والزرقاني . مناهل العرفان 1 / 253 .